PDA

View Full Version : الحجاج بن يوسف الثقفـي والغــلام ..


الســرالبعيد
12-02-2006, 05:30 PM
القـصه طويـله لكن أعجبتني وأن شاءالله تعجبــكم ..؟!!


القصّـه :

ذهَبَ ( الحجّاج بن يوسف الثقفي ) ذاتَ يومٍ للصيد . فرأى تِسعةَ كِلابٍ إلى جانِب صبِيٍّ
صغير السِن ؛ عُمرُه نحوَ عشْرِ سنَواتٍ وله ذوائب ، فقالَ لهُ الحجاج :
ماذا تفعل هنا أيها الغلام ؟
فرفَعَ الصبيُّ طرفه إليه وقال له : يا حامِل الأخبار ؛ لقد نظرْتَ إلىّ بعينِ الإحتِقار ، وكلّمْتَني
بالافتخار ، وكلامك كلام جبّار ، وعقلُك عقلُ حِمار !
فقال الحجاج له : أما عرفتني ؟
فقال الغلام : عرفتُكَ بِسَوادِ وجهِك ، لأنكَ أتيتَ بالكلامِ قبل السلام .
فقال الحجاج ׃ ويلك أنا الحجاج بن يوسف .
فقال الغلام : لا قرّبَ اللهُ دارَك ولا مزارَك ، فما أكثرُ كلامَك ، وأقلّ إكرامك .
فما أتمّ كلامَه إلاّ والجيوش حلّقَت عليه مِن كلِّ جانبٍ ، وكلُّ واحدٍ يقول :السلامُ عليكَ يا
أمير المؤمنين .
فقال الحجاج : احفظوا هذا الغلام ، فقد أوجَعَني بالكلام ، فأخَذوا الغلام ، فرجعَ الحجاج
إلى قصرِه ، فجلَسَ في مجلِسِه والناسُ حولَهُ جالِسون ومن هيبتِهِ مُطرِقون وهو بينهم
كالأسَد . ثمّ طلبَ إحضارَ الغلام ، فلمّا مَثُلَ بينَ يديه ورأى الوزراءَ وأهلَ الدولة ؛ لم يخشَ منهم ؛ بل قال : السلام عليكم . فلم يرُدّ الحجاج السلام . فرفَع الغلام رأسَه وأدارَ نظرَه ؛
فرأى بِناء القصْرِ عالياً ومُزيّناً بالنقوش والفسيفساء وهو في غاية الإبداع والإتقان .

فقال الغلام : أتبنونَ بكلِّ ريعٍ آيةً تعبَثون وتتّخِذون مَصانِعاً ، لعلّكم تُخلّدون ، وإذا بطشتُم
بطشتم جبّارين . فاستوى الحجاج جالِساً وكان متكئاً .
فقالوا للغلام : يا قليل الأدب ؛ لماذا لم تسلِّم على أمير المؤمنين السلامَ اللائق ؟!
ولماذا لم تتأدب في حضرته ؟
فقال الغلام : يا براغيث الحمير ؛ منعني عن ذلك التعَبُ في الطريق وطلوع الدرَج ، أما السلام فعلى أمير المؤمنين وأصحابه ، يعني السلام على علىّ بن أبى طالب وأصحابه !
فقال الحجاج : يا غلام لقد حضَرْتَ في يومٍ تمّ فيهِ أجَـلُك وخاب فيه أمَـلُك .
فقال الغلام : والله يا حجّاج إن كانَ في أجلي تأخير لم يضرّني من كلامك لا قليل ولا كثير !
فقال بعض الغلمان : لقد بلَغْت في جهلِك يا خبيث أن تُخاطِب أميرَ المؤمنين كما تُخاطِب
غلاماً مثلك ياقليل الآداب ، فانظُر مَن تخاطب وأجِبْهُ بأدبٍ واحترامٍ فهو أمير العراق والشام .

فقال الغلام : أما سمِعتُم قوله تعالى " كل نفس تجادل عن نفسها " ؟!
فقال الحجاج : فمَن عنِيتَ بكلامِك أيها الغلام ؟
قال : عنيت به عليّ بن أبى طالب وأصحابه . وأنت يا حجاج على من تُسلِّم ؟
فقال الحجاج : على عبدالملك بن مروان .
فقال الغلام : عبدالملك الفاجِر ؟! عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين !
فقال الحجاج : ولِمَ ذلك يا غلام ؟
فقال : لأنه أخطأ خطيئةً عظيمةً ماتَ بسببِها خلقٌ كثيرٌ . فقال بعض الجُلَساء :
اقتلهُ يا أميرَ المؤمنين ؛ فقد خالَفَ الطاعةَ وفارَقَ الجماعة وشتَمَ عبدالملك بن مروان !
فقال الغلام : يا حجاج ؛ أصلِح جُلَساءك فإنهم جاهِلونْ ! فأشار الحجاج لجلسائه بالصمت .
ثم سأله الحجاج : هل تعرف أخي ؟
فقال الغلام : أخوك فِرعَـوْن حين جاءهُ موسى وهارون ليخلعوه عَن عرشِه فاستشار جلسائه .
فقال الحجاج : اضربوا عنقه !
فقال له الرقاشي : هَبني إياه يا أمير المؤمنين أصلح الله شأنك .
فقال الحجاج : هو لك .. لا بارَكَ اللهُ فيه .
فقال الغلام : لا شكر للواهب ولا للمستوهب !!
فقال الرقاشي :أنا أريد خلاصك من الموت فتخاطبني بهذا الكلام ؟!! ثم التفت الرقاشي
إلى الحجاج وقال له : افعَل ما تريد يا أمير المؤمنين .

فقال الحجاج للغلام : من أيِّ بلدٍ أنت ؟
فقال للغلام: من مِصر .
فقال له الحجاج : من مدينة الفاسِقين !
فقال الغلام : ولماذا أسمَيتها مدينة الفاسقين ؟
قال الحجاج : لأن شرابها من ذهب ونسائها لعب ونيلها عجب وأهلها لا عجم ولا عرب.
فقال الغلام : لستُ منهم .
فقال الحجاج : من أي بلدٍ إذن ؟
قال الغلام : أنا مِن أهلِ خُرسان .
فقال الحجاج : مِن شَرِّ مكان وأقلِّ الأديان .
فقال الغلام : ولِمَ ذلك يا حجاج ؟!
فقال : لأنهم عجَـمٌ أعجام ، مثل البهائم والأغنام ، كلامُهُم ثقيلٌ وغنِيُّهُم بخيلٌ !
فقال الغلام : لستُ مِنهُم !
فقال الحجاج : من أين أنت ؟
قال : أنا مِن مدينة الشام .
قال الحجاج : أنت مِن أحسَنِ البُلدان ، وأغضَبِ مكان ، وأغلَظِ الأبدان .
قال الغلام : لستُ منهم !
قال الحجاج : فمن أين إذن ؟
قال الغلام : من اليمَـن .
فقال الحجاج : أنتَ مِن بلَدٍ غيرَ مشكورٍ .
قال الغلام: ولِمَ ذلك ؟
قال الحجاج : لأنّ صوتَهُم مَليحاً ، وعاقِلُهُم يستعمِلُ الزّمْرَ ، وجاهِلُهُم يشرَبُ الخمْرَ .
قال الغلام : أنا لستُ منهم !
قال الحجاج : فمِن أينَ إذن ؟
قال الغلام : أنا مِن أهلِ مكّـة .
فقال الحجاج : أنت إذن مِن أهلِ اللؤم والجهل وقِلّة العقل .
فقال الغلام : ولم ذلك ؟
قال : لأنهُم قومٌ بُعِثَ فيهِم نبِيٌّ كريمٌ فكذّبوه وطردوه ، وخرَجَ مِن بينِهِم إلى قومٍ أحَبُّوهُ
وأكرَموه .
فقال الغلام : أنا لستُ منهم !
فقال الحجاج : لقد كثُرَت جواباتُكَ عليّ ، وقلبي يُحدّثُني بقتلِك !!
فقال الغلام : لو كانَ أجَلي بيدِك ؛ لَما عبَدْتُ سِواك ، ولكن اعلَم يا حجّاج أني مِن أهلِ
طَـيْبة ؛ مدينةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم .
فقال الحجاج : نِعـمَْ المدينة أهلها ؛ أهلَ الإيمانِ والإحسان .. فمِن أيِّ قبيلةٍ أنت ؟
فقال الغلام : من ثلى بنى غالب من سلالة علي بن أبى طالب عليه السلام ، وكلُّ نسَبٍ
وحسَبٍ ينقطِع إلا حسَبُنا ونسَبُنا ، فإنه لا ينقطع إلى يوم القيامة . فاغتاظَ الحجاجُ
غيظاً شديداً وأمَرَ بقتلِه .

فقال له كُلُّ مَن حضَرَ مِن الوزراء : ولكنه لا يستحق القتل ، فهو دون سن البلوغ أيها الأمير !
فقال الحجاج : لا بُدّ مِن قتلِه ولو يُنادي مُنادٍ مِنَ السماء !!
فقال الغلام : ما أنت بنبيّ حتى يُناديكَ مُنادٍ مِنَ السماء !
فقال الحجاج : ومَن يحُولُ بيني وبينَ قتلِك ؟!
فقال الغلام : يحول بينك وبين قتلي ما يحول بين المَرءِ وقلبِه .
فقال الحجاج : وهو الذي يعينني على قتلك .
فقال الغلام : كلاّ ؛ إنما يُعينُك على قتلي شيطانُك .. وأعوذُ باللهِ مِنكَ ومِنه !!!

فقال الحجاج : أراك تجاوبني على كل سؤال فأخبِرني ما يُقرِّب العبدَ مِن ربِّه ؟
فقال الغلام : الصومُ والصلاةُ والزكاةُ والحَجُّ .
فقال الحجاج : أنا أتقرّب إلى الله بِدَمَك ، لأنك قُلتَ أنك مِن أولادِ الحسن والحسين .
فقال الغلام من غير خوفٍ ولا جزَعٍ : أنا مِن أولاد رسول الله صلى الله عليه وآلِهِ وسلّم ،
إن كان أجَلي بيدِك فقد حضَر شيطانُك يُعينك على فسادِ آخِرَتِك .
فأجابه الحجاج : أتقول أنك مِن أولاد الرسول وتكرَهُ المَـوتَ ؟!!
قال الغلام : قال الله تعالى : " ولا تَلقوا بأيديكُم إلى التهلُكةِ "

قال الحجاج : ابنُ مَن أنت ؟
قال الغلام : أنا ابن أبي وأمي.
فسألَهُ الحجّاج : من أين جئت ؟
قال الغلام : على رحب الأرض .
فقال الحجاج : أخبرني من أكرم العرب ؟
فأجاب الغلام : بنو طي .
فسأله الحجاج : ولم ذلك ؟
فقال الغلام : لأنّ حاتِماً الأصمّ منهُم .
فقال الحجاج : فمَن أشرفُ العرَبِ ؟
قال الغلام : بنو مُضَر .
فقال الحجاج : ولِمَ ذلك ؟
فقال الغلام : لأن محمد صلى الله عليه وسلم منهم .
فقال الحجاج : فمَن أشجَعُ العرب ؟
فقال الغلام : بنو هاشم ؛ لأن علي بن أبي طالب منهم .
فقال الحجاج : فمَن أنجَسُ العرب ، وأبخَلُهُم ، وأقلُّهُم خيراً ؟
فقال الغلام : بنو ثقيف لأنك أنت منهم ، وفي الحديث الشريف يظهَر مِن بني ثقيفٍ نمـرود
وكذاب . فالكذاب مُسيلَمة والنمرود أنت !! فأغتاظ الحجاج غيظاً شديداً ، وأمر بقتله ،
فشفَع به الحاضرون فشفعهم فيه وسكَن غضبُه قليلاً وقال : أين ترَكْتَ الإبِل ذات القرون ؟
فقال الغلام : تركتها ترعى أوراق الصوان .
فصاح الحجاج به قائلاً : يا قليلَ العقل ويا بعيد الذهن .. هل للصوان ورق ؟!
فقال الغلام : وهل للإبل قُرون ؟
فقال الحجاج : هل حفظت القرآن ؟
فقال الغلام : هل القرآن هارب منى حتى أحفظه ؟!!
فسأله الحجاج : هل جَمَعْتَ القرآن ؟
فقال الغلام : وهل هو مُتفرّقٌ حتى أجمعه ؟!!
فقال له الحجاج : أما فهِمْتَ سؤالي ؟!
فأجابه الغلام : ينبغي لك أن تقول : هل قرأت القرآن وفهمت ما فيه !!

فقال الحجاج : فأخبرني عن آيةٍ في القرآن أعظَم ؟ وآيةٍ أحكَم ؟ وآية أعدل ؟
وآية أخوَف ؟ وآيةٍ أرجى ؟ وآية فيها عشر آيات بيّنات ؟ وآية كذَبَ فيها أولاد الأنبياء ؟
وآيةٍ صدَقَ فيها اليهود والنصارى ؟ وآية قالها الله تعالى لنفسه ؟ وآية فيها قول
الملائكة ؟ و آية فيها قول أهل الجنّة ؟ وآية فيها قول أهل النار ؟ وآية فيها
قول إبليس ؟؟!!
فقال الغلام : أما أعظم آية فهي : ( آية الكرسي ) . وأحكَم آية : ( إن الله يأمر بالعدلِ
والإحسان ) . وأعدل آية : ( فمَن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) .
وأخوف آية : ( أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم ) . وأرجى آية : ( قُل يا عِبادي
الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعها ) .
وآية فيها عشر آيات بينات هي : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ؛
لآيات لأولى الألباب ) . وأما الآية التي كذب فيها أولاد الأنبياء فهي : ( وجاءوا على
قميصه بدم كذب ) وهم إخوة يوسف كذبوا ودخلوا الجنة . وأما الآية التي صدق فيها اليهود
والنصارى فهي : ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود
على شيء ) فصدَقوا ودخلوا النار . والآية التي قالها الله تعالى لنفسه هي : ( وما خلقتُ
الجِنّ والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطمعون إن الله هو الرزاق
ذو القوة المتين ) . وآية فيها قول الملائكة : ( سُبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتَنا إنك أنت
العليم الحكيم ) . و أية فيها قول أهل الجنة : ( الحمد لله الذي أذهِب عنّا الحزن إن ربنا
لغفور شكور ) . وآية فيها قول أهل النار : ( ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ) .
وآية فيها قول إبليس : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) .

فقال الحجاج : أخبِرني عمّن خُلق من الهواء ؟ ومن حُفظ بالهواء ؟ ومن هَلك بالهواء ؟
فقال الغلام : الذي خلق من الهواء سيدنا عيسى عليه السلام ، والذي حفظ بالهواء سيدنا
سليمان بن داود عليهما السلام ، وأما الذي هلك بالهواء فهم قوم هود .
فقال الحجاج : فأخبرني عمن خُلق من الخشب ؟ والذي حُفظ بالخشب ؟ والذي هلك بالخشب ؟
فقال الغلام : الذي خلق من الخشب هي الحية خلقت من عصا موسى عليه السلام ،
والذي حفظ بالخشب نوح عليه السلام ، والذي هلك بالخشب زكريا عليه السلام .
فقال الحجاج : فأخبِرني عمّن خُلق من الماء ؟ ومن نجا من الماء ؟ ومن هلك بالماء ؟
فقال الغلام : الذي خُلِق من الماء فهو أبونا آدم عليه السلام ، والذي نجا من الماء موسى
عليه السلام ، والذي هلك بالماء فِرعَـون .
فقال الحجاج : فأخبرني عمن خُلق من النار ؟ ومن حُفظ من النار ؟
فقال الغلام : الذي خُلق من النار إبليس ، والذي نجا من النار إبراهيم عليه السلام .
فقال الحجاج : فأخبرني عن أنهار الجنة وعددها ؟
فقال الغلام : أنهار الجنة كثيرة لا يعلم عددها إلاّ الله تعالى كما قال في كتابه العزيز :
" فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبَن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين
وأنهار من عسل مصفى ... " ، وكلها تجري في محل واحد لا يختلط بعضها ببعض ويوجد
نظيره في الدنيا وهو في رأس بنى آدم طعم عينه مالح وطعم أذنه مر وطعم فمه عذب .
فقال الحجاج : إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتغوطون فهل يوجد مثلهم في الدنيا ؟
فقال الغلام : الجنين في بطن أمه يأكل ويشرب ولا يتغوّط .
فقال الحجاج : فما أول قطرة من دم ؟
فقال الغلام : هي حيض حواء .

فقال الحجاج : فأخبرني عن العقل ؟ والإيمان ؟ والحياء ؟ والسخاء ؟ والشجاعة ؟
والكرم ؟ والشهوة ؟
فقال الغلام : إنّ الله قسّم العقل عشرة أقسام ، جعَل تِسعة في الرجال وواحداً في
النساء ، والإيمان عشرة تسعة في اليمَن وواحداً في بقية الدنيا ، والحَياء عشرة
تسعة في النساء وواحداً في الرجال ، والسّخاء عشرة تسعة في الرجال وواحداً في
النساء ، والشجاعة والكرم عشرة تسعة في العرب وواحداً في بقية العالم ، والشهوة ع
شرة أقسام تسعة في النساء وواحداً في الرجال .
فقال الحجاج : فأخبرني ما يجب على المُسلم في السنَة مرّة ؟
فقال الغلام : صيام رمضان .
فقال الحجاج : وما يجب في العُمر مرة ؟
فقال الغلام : الحج إلى بيت الله الحرام مَن استَطاع إليه سبيلا .
فقال الحجاج : فأخبرني عَن أقرب شئٍ إليك ؟
فقال الغلام : الآخِـرة .

ثم قال الحجاج : سبحان الله .. يأتي الحِكمةَ مَن يشاء مِن عبادِه .
ما رأيت صبيّاً أتاه اللهُ العِلمَ والعقلَ والذكاء ؛ مِثل هذا الغلام !
فقال الغلام : أنا أهلٌ لذلك .
فقال الحجاج : فمَن أحقُّ الناسِ بالخِلافة ؟
فقال الغلام : الذي يعفُو ويصفَح ويعدِل بين الناس .
فقال الحجاج : فأخبرني عن النِساء ؟
فقال الغلام : أتسألني عن النساء وأنا صغير لم أطـّلع بعد على أحوالهن و رغائبهن
ومعاشرتهن ؟! ولكني سأذكر لك المشهور من أمورهن : فبِنت العشر سنين من الحور
العين ، وبنت العشرين نزهة للناظرين ، وبنت الثلاثين جنة نعيم ، وبنت الأربعين شحم ولين ،
وبنت الخمسين بنات وبنين ، وبنت السِتّين ما بها فائدة للسائلين ، وبنت السبعين عجوز في
الغابرين ، وبنت التسعين شيطان رجيم ، وبنت المائة من أصحاب الجحيم !!

فضحك الحجاج وقال : أي النساء أحسن ؟
فقال الغلام : ذات الدلال الكامل والجمال الوافر والنطق الفصيح التي يهتز نهدها ويرتاح ردفها.
فقال له الحجاج : أخبِرني عَن أول من نطَق في الشعر ؟
فقال الغلام : آدَم عليه السلام ، وذلك لمّا قتَل قابيل أخاهُ هابيل أنشد آدم يقول :



بكت عيني وحـق لهـا بكاهـا *** ودمع العيـن منهمـل يسيـح
فما لي لا أجود بسكـب دمـع ***و هابيـل تضمّنـه الضـريـح
رمـى قابيـل هابيـلاً أخــاه ***وألحد في الثرى الوجه الصبيح
تغيـرت البـلاد ومـن عليهـا ***فوجـه الأرض مغبـر كشيـح
تبـدل كـل ذي طعـم ولـون *** لفقدك يـا صبيـح يـا مليـح
أيـا هابيـل إن تقتـل فـإنـي *** عليك الدهـر مكتئـب قريـح
فأنت حياة من في الأرض جميعاً *** وقد فقـدوك يـا روح وريـح
وأنت رجيح قـدر يـا فصيـح *** سليم بل سميـح بـل صبيـح
ولست ميـت بـل أنـت حـي *** و قابيل الشقـي هـو الطريـح
عليه السخط مـن رب البرايـا *** و أنت عليـك تسليـم صريـح



فأجابه إبليس يقول :

تنوح على البـلاد ومـن عليهـا *** وفي الفردوس قد ضاق بك الفسيح
وكنت بهـا وزوجـك فـي نعيـم *** مـن المولـى وقلبـك مستريـح
خدعتك في دهائـي ثـم مكـري ***إلى أن فاتـك العيـش الرشيـح



فقال الحجاج : أخبرني يا غلام عن أجوَد بيتٍ قالته العرَب في الكـرَم ؟
فقال الغلام : هو بيت حاتم طي .. حيث يقول :



وأكرم الضيف حتما حين يطرقني *** قبل العيال على عسر و إيسـار




فقال الحجاج : أحسنتَ يا غلام وأجملت . وقد غمرتَنا بِبحرِ عِلمِك ، فوجَبَ علينا
إكرامك . ثم أمرَ لهُ بألفِ دينار وكُسوَةٍ حسنةٍ و جاريَةٍ وسَيفٍ وفرَس .
وقال الحجاج في نفسه : إن أخذ الفرس نجا ، وإن أخذ غيرها قتلته .
ثم قال الحجاج : خُذ ما تريد يا غلام فغمزته الجارية .
وقالت : خذني ؛ أنا خيرٌ مِنَ الجميع . فضحكَ الغلام وقال :
ليس لي بك حاجة .. وأنشد يقول :



و قرقعت اللجان برأس حمراً ***أحب إلـىّ ممـا تغمزنـي
أخاف إذا وقعت على فراش *** يوطالت علتي لا تصحبينـي
أخاف إذا وقعنا في مضيـق *** وجار الدهر بي لا تنصريني
أخاف إذا فقدت المال عندي *** تميلي للخصام وتهجرينـي



فأجابته الجارية تقول :



معاذ الله أفعـل مـا تقـول *** ولو قطعت شمالي مع يميني
وأكتم سر زوجي في ضميري *** وأقنع باليسير ومـا يجينـي
إذا عاشرتني وعرفت طبعـي ***ستعلم أننـي خيـر القريـن



فقال الحجاج : ويلَكِ ! ألا تستَحين ؟! أتغمزينه وتجاوبينه بالشِعر ؟!!
فقال الغلام : إن كنت تُخيُّرُني ؛ فإنني أختارُ الفرَسَ ، أمّا إن كنتَ ابن حَلالٍ فتعطيني
الجميع .
فقال الحجاج : خُذهُم .. لا بارَكَ اللهُ لكَ فيهِم .
فقال الغلام : قبِلتُهُم .. لا أخلَفَ اللهُ عليكَ غيرَهُم ، ولا جمَعَني بِكَ مَرّةً أخرى !!
ثم قال الغلام : من أين أخرُج يا حجّاج ؟
فأجابه الحجاج : أُخرُج مِن ذاك الباب .. فهوَ بابُ السلام .
فقال الجلساء للحجاج : هذا جَلْفٌ مِن أجلافِ العرَب ؛ أتى إليكَ وسبَّك وأخذَ مالَك ؛
أفتدُلُّه على باب السلام ولم تدله على باب النِقمَةِ والعذاب ؟!!
فقال الحجاج : إنه استَشارَني .. والمُستَشارُ مُؤتَمَن .
وخرَجَ الغُـلامُ مِن بينِ يدَي الحجّاج سالِماً غانِماً بِفضلِ ذكائه وفهمه ومعرفته وحُسن إطِّلاعه .

.
.

الســرالبعيد ..

ألماسة نجد
12-02-2006, 06:51 PM
قصة رائعة وممتعة فعلاً غاليتي
فعلاً بالحكمة والذكاء والإطلاع يحصل المرء على مايريد

كانت الخاتمة مضحكة جداً،،،
سلمت أناملك ودمتي مميزة .

http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/003.gif

محمد العميري
13-02-2006, 01:25 AM
بارك الله فيك اختي سر البعيد
وبالفعل قصه مشوقه جداً من بدايتها وحتى نهايتها .
وكلنا درسنا عن الحجاج الثقفي و أنه من اشد الخلق بطشاً
فسبحان من سلط عليه هذا الغلام الصغير

الســرالبعيد
13-02-2006, 09:05 PM
سـ العنـاد ـر .. عصيـر ليمون

ألـف شكـر على المرور الجميـل ..

.
.

الســرالبعيد